مركز الاسلام الاصيل للثقافة والاعلام :: المقالات

 مركز الاسلام الاصيل للثقافة والاعلام :: المقالات
الصفحة الرئيسية
  • Rss
  • الاثنين 3/ربيع الثاني/1440 هـ 10/12/2018 م
  • Rss

أسس قيام الثورة الحسينية ودورها في التصحيح
(مجلة النبأ)

التاريخ : ٢٠١٦/١٠/٠٢
عدد الزيارات : ٨٠٠

أسس قيام الثورة الحسينية ودورها في التصحيح

بقلم: عبد الله موسى


إسلام بني أمية

إن أحد الأمراض السياسية التي رافقت الرسالة الإسلامية منذ الأيام الأولى للبعثة هي الحالة التي أطلق عليها القرآن الكريم تسمية (النفاق) ولم تخلو فترة من حياة هذه الرسالة إلا وكان المنافقين قوة ونفوذ غير اعتيادي مما أوصلهم في بعض العصور إلى قمة قيادة الأمة حيث أدى هذا الوضع الشاذ إلى انحراف خطير طال كل الأرض الإسلامية.

وقد بدأت السلسلة منذ أيام الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) فكان أبو سفيان بقصة عدائه المعروفة للدين الجديد ولشخص الرسول(صلى الله عليه وآله) ليصبح العلم الأول في قيادة المنافقين، وبدأت هذه المدرسة تخرج رجالاتها الذين أبلوا بلاءً خطيراً في تحريف النهج الإسلامي ومحاولة إعادة العصبية الجاهلية من جديد، فبعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله) وإعطاء راية الخلافة إلى وصيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) برز معاوية بن أبي سفيان إلى السطح السياسي وأخذ يهيئ للدور الذي اختطه ورسمه له من سبقه في التخطيط لظهوره، وبعد مآل الخلافة الإسلامية إلى أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان كان معاوية يعمل في خلف الكواليس لتنفيذ مهمته التي تبلورت قاعـــدتها في زمن خلافة عثمان ومن ثم قتله وما أحدث من إفرازات خلخلت الجبهة الإسلامية التي تمتعت بقدر من الاستقرار النوعي خلال الفترات السابقة لتبدأ حرب معاوية المعلنة ضد الخلافة الإسلامية المتمثلة بالإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وبدأت الفتن تنهش أطراف الدولة الإسلامية حيث برزت شوكة المرتدين والخوارج تقوى لتعطيل المشروع الإسلامي الذي أراد الإمام (عليه السلام) إعادته إلى سابق عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) إضافة إلى حروب معاوية وتمرده على الخلافة الإسلامية. ورغم الهدوء النسبي المعلن الذي ساد المرحلة الأخيرة من خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا أن المؤامرة السيرة لم تهدأ وكانت تحضيرات معاوية تجري على قدم وساق لمواجهة المرحلة المقبلة، حتى حيكت مؤامرة اغتيال الإمام (عليه السلام) على يد من الخوارج الذين مثلوا وقتها الوجه السياسي لحركة معاوية الانقلابية.

وما دمنا لسنا بصدد عرض هذه الوقائع التاريخية وإنما أتينا بها مقدمة لكلامنا، فإن الحديث عنها يتطلب بحوثاً مفصلة وقد تحدثت الكثير من الكتب التاريخية وكتب السيرة عن هذا مفصلاً.لذا سنتركها وندخل فيما يرتبط بموضوعنا.

الإمام الحسين (عليه السلام) شاهداً

عاش الإمام الحسين (عليه السلام) خطوات الدعوة الإسلامية بكل مراحلها وتحت ظل النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) الذي كان يقربه وأخاه الإمام الحسن (عليه السلام) منذ صغرهما وكان الإمام الحسين يلقى الرعاية من قبل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) ومن أمير المؤمنين (عليه السلام) بصورة استثنائية حتى أن الصحابة والخلفاء كانوا يقربونه لما عرفوا من قربه من رسول الله(صلى الله عليه وآله) الذي يقول فيه (عليه السلام):«حسين مني وأن من حسين» وفي قصة تنقلها التواريخ الإسلامية أن الإمام الحسين (عليه السلام) مر على المسجد فوجد عمر يخطب على المنبر فصاح به الإمام (عليه السلام) قائلاً له: «أنزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك» فأجابه عمر بما يليق بالإمام (عليه السلام) قائلاً له:«لم يكن لأبي منبر»، ثم أخذ بيد الحسين (عليه السلام) بلطف ولما ذهب إلى بيته أخذه معه(1).

وقد عاش عليه السلام كل تلك الأحداث التي جرت من واقعة السقيفة وحتى حروب أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن ثم كان المؤازر والناصر لولي عصره والخليفة من بعد أبيه الإمام الحسن (عليه السلام).

وقد كان للإمام الحسين (عليه السلام) مواقف مشهودة مع معاوية فقد وقف (عليه السلام) لمعاوية بالمرصاد، وحاسب ولأنه أشد الحساب ولم يستطع معاوية بدهائه وتصنعه في حلمه ومخاتلته في سياسته أن يجلب ودج الحسين(عليه السلام) ويكسبه إلى جنبه أو يهدا من ثورة غضبه عليه(2).

وعاش (عليه السلام) حروب أبيه ضد التمرد فكان قائداً في معركة الجملة ومعركة صفين وشهد مؤامرة التحكيم التي خدع بها معاوية الرأي العام ومن ثم شهد(عليه السلام) معركة أخيه الإمام الحسن(عليه السلام) ونكث العهود التي رافقت هدنته مع معاوية، فكان(عليه السلام) شاهداً على كل هذا التاريخ وكانت عزيمته تقوى للاستعداد لمقاومة هذا الانحراف الخطير وعندما حاول الكوفيون حث الإمام الحسن(عليه السلام) على إعادة الكرة في حرب معاوية ولما لم يعطهم الإمام(عليه السلام) جواباً لاحترامه للعهد الذي بينه وبين خصمه توجهوا إلى الإمام الحسين(عليه السلام) الذي كان جوابه مماثلاً لجواب أخيه(عليه السلام) حيث قال لهم(عليه السلام):«قد كان صلح وكانت بيعة كنت لها كارها فانتظروا ما دان هذا الرجل حياً –يعني معاوية- فإن يهلك نظرنا ونظرتم فانصرفوا عنه»(3).

وقد ظل زعماء الكوفة يوفدون رسلهم إلى الإمام الحسين(عليه السلام) لغرض التأثير على موقف الإمام الحسن(عليه السلام) غير أن الإمام الحسين(عليه السلام) كان يصر على احترام المواثيق كأمرٍ لابد منه وحتى بعد وفاة الإمام الحسن(عليه السلام) أجابهم بكتاب جاء فيه:«إني لأرجو أن يكون رأي أخي في الموادعة ورأيي في جهاد الظلمة رشداً وسداداً فألصقوا في الأرض، وأخفوا الشخص والتمسوا الهدى ما دام ابن هند حياً، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء الله»(4).

بدعة معاوية

تكونت لدى معاوية فكرة كاملة عن الرأي العام الإسلامي الذي رفض طريقة حكمه خصوصاً في العراق والمدينة فأخذ يبلور شكلاً جديداً من الحكم اتخذ عدة أشكال من وسائل الضغط على المسلمين لتقبله وذلك باستحداث فكرة (ولاية العهد) والترويج لها والتي لاقت رفضاً شديداً في كل أقاليم الدولة غير أنته لم يكتفي بالدعوة المجرّدة فقط بل جنّد لذلك أعتى العناصر التي التفت حوله والمعروفة بانحرافها عن النهج الإسلامي.

وهنا بدأت مضايقة وحصار الإمام الحسين(عليه السلام) لأنه القائد الأبرز المرشح لقيادة الأمة حيث شخصت إليه أبصار المسلمين(عليه السلام).

وقد اتخذ معاوية أسلوب المرحلية في فرض مبدأ (ولاية العهد) فلم يعلن بادئ الأمر عن المرشح لهذا المنصب ليرى بعينه قائمة المنافسين لهذا المنصب ليتسنى له تصفيتهم أو الإيحاء بذلك غير أنه لم يكن يأبه بمن برزوا لهذا المنصب من أمثال مروان بن الحكم أو ابن الزبير أو غيرهم بمثل ما كان عليه الأمر من معارضة الإمام الحسين(عليه السلام) الشديدة والتي يقف وراءها أهل العراق بالدرجة الأولى.

وبعد إعلان فكرة معاوية (بالبيعة ليزيد) ساد الغضب العارم أوساط المدينة والكوفة وكان همه الأكبر هو وضع الكوفة حيث التأييد الشامل للإمام(عليه السلام)، رغم أن رأي أهل المدينة جاء رافضاً لهذه الفكرة كما جاء على لسان عبد الرحمن بن أبي بكر الذي قال في جمع من أهل المدينة ورسل معاوية بحضور مروان حيث وجه إليه الخطاب بعد أن حاول الأخير تجميل طرح فكرة ولاية العهد واعتبارها حلاً إسلامياً. قال عبد الرحمن:«كذبت وكذب من أمرك بهذا والله ما يزيد بمختار ولا رضئ ولكن تريدون أن تجعلوها هرقلية، ويزيد هو يزيد القرود ويزيد الفهود ويزيد الخمور»(5).

وجاء رد الإمام الحسين(عليه السلام) على خطاب معاوية الذي مدح فيه يزيد ووصفه بأوصاف تحببه من الناس فقال الإمام(عليه السلام):«كأنك تصف محجوباً أو تنعت غائباً أو تخبر عما كان مما إحتويته بعلم خاص وقد دل يزيد على موقع رأيه فخذ من يزيد مما أخذ به من استفزازه الكلاب الهارشة عند التهارش والحمام السبق لأترابهن والقينات ذوات المعازف وضروب الملاهي تجده ناصراً ودع ما تحاول فما أغناك أن تلقى الله بزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه فوالله ما برحت تقدح باطلاً في جور وحنقاً في ظلم حتى ملأت الأسقية»(6).

وقد كانت له(عليه السلام) عدة مواقف وردود جريئة على معاوية كانت أشد من الصخر عليه (راجع كتاب [الإمام الحسين استراتيجية وموقف] محمد تقي باقر)، ثم بدأت مرحلة معاوية الثانية بأخذ البيعة قسراً وتحت السيوف وظل هدفه الأول هو استحصال البيعة من الإمام الحسين(عليه السلام) أو ضمان سكوته(عليه السلام) الأمر الذي لم يتسنى له إلى آخر معركة الطف.

هلاك معاوية واستخلاف يزيد

تذكر كتب التاريخ والسيرة فترات هلاك معاوية واستخلاف ابنه يزيد على أنها أسوأ كارثة عرفها الإسلام لأنها أسست لقيم جديدة لم يعرفها المجتمع الإسلامي من قبل فاستحداث نظام الوراثة كان من مبتدعات معاوية كما أن هذا الاختيار السيء ليزيد هو ضربة قاصمة لكل القيم الإسلامية حيث لم يعرف عن الخير غير تربيته السيئة البعيدة عن الإسلام حيث عاش وترعرع في كنف أسر مسيحية وكان يجاهر بالفسق والفور في أكثر من مناسبة بل ذهب إلى أكثر من ذلك إلى الكفر بقوله (لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل).

وإذا كان الجماهير الإسلامية قد أخذت عنوة على هذا الأمر فإن للإمام الحسين(عليه السلام) كلمة الفصل، هذه الكلمة التي لم تكن وليدة ساعتها، فقد أنبأ عنها رسول الله(ص) وأمير المؤمنين(عليه السلام) في أكثر من حديث وفي الوقت ذاته كانت كلمة يزيد وأعوانه قد اجتمعت على محاربة الإمام بكل ما أوتوا من قوة حيث كان(عليه السلام) العقبة الكؤود الوحيدة التي تقف أمام مشروعهم التخريبي.

بداية الثورة

ذكرنا أن الثورة قد مرت بعدة مراحل سرية وعلنية توجتها رسائل أهل الكوفة الذين أجمعوا على حث الإمام(عليه السلام) على القدوم إلى الكوفة حتىان بعض الخوارج أرسلوا كتباً ممالة للإمام(عليه السلام) فقرر(عليه السلام) إرسال موفده إلى هناك وموافاة الإمام(عليه السلام) بحقيقة الأمور في الكوفة وبدأت الأحداث تتسارع بدأً بمقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة حتى سفر الإمام(عليه السلام) باتجاه العراق وما تبعها من المعركة التي جرت يوم العاشر من محرم في أرض الطف.

لماذا الثورة

ركزت الأدبيات الإسلامية التي تناولت ثورة الإمام الحسين(ع) على جانب المظلومية التي لحقت بالإمام(عليه السلام) وأهل بيته ولم يلتفت (بعضها) إلى الجانب المشرق من هذه الثورة المقدسة التي مثلت إنعطافة تاريخية في حياة الإسلام والمسلمين ونحن إذا نسلط الضوء على أهم أسباب قيام الثورة فإننا ندعوا في الوقت نفسه إلى إعادة قراءة الثورة الحسينية بما يجعلا مشروعاً لا يختص بفئة معينة من المسلمين كما ساد هذا الاعتقاد زمناً طويلاً ووصموا الحركة الثورية بـ(الرافضية) التي تختص بمذهب أهل البيت أما الكيفية التي كان عن طريقها تبيان الأهداف الحقيقية لثورة الإمام الحسين(عليه السلام) فيتم عبر جمع الأحاديث الشريفة والأخبار الواردة عن النبي(ص) مذ اليوم الأول لولادة الإمام الحسين(عليه السلام) وكيف أنه(عليه السلام) كان معدّاً لمهمة خاصة بيّنها الرسول(ص) وأكد عليها وكان(ص) يقيم المآتم على الإمام في حياته، كما أن التركيز على حياة وسيرة الإمام(عليه السلام) قبل واقعة الطف وكف أن سيرته بعيدة كل البعد عن مطامع الرئاسة الشخصية والحكم، إضافة إلى فرز القيم الأخلاقية التي مثلته واقعة الطف بما فيها الجوانب التربوية والاجتماعية من أجل صياغة هذه المثل والقيم على شكر دساتير صادرة عن إمام معصوم متصل بالرسالة السمحاء.

طلب الإصلاح

إن قراءة متأنية للأحداث التي سبقت واقعة الطف تجعلنا أمام معركة لا بد من وقوعها فمن جهة التعنت الذي أبداه معاوية في اختياره السيء ليزيد لإمارة المسلمين ومن جهة أخرى وجود الإمام المعصوم الذي أخبره رسول الله(ص) بهذه الحوادث مفصلةً ما جعله أكثر تهيئاً لهذه المعركة المصيرية الفاصلة، ففي الخبر عن أم سلمة أنها قالت للإمام(عليه السلام) لما أراد الخروج «لا تحزنني بخروجك إلى العراق، فإني سمعت جدك رسول الله(ص) يقول: يقتل ولدي الحسين بأرض العراق ي أرض يقال لها كربلاء، وعندي تربتك في قارورة دفعتها إلى النبي(ص)»(7). فأجابها الحسين(عليه السلام):«يا أماه وأنا أعلم إني مقتول، مذبوح ظلماً وعدواناً وقد شاء عز ودجل أن يرى حرمي ورهطي مشردين وأطفالي مذبوحين، مأسورين مقيدين وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً»(8).

وفي وصيته إلى أخيه محمد بن الحنفية يثبّت الإمام(عليه السلام) سبب الخروج بقوله(عليه السلام):«وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي(ص) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب»(9).

إذن فالهدف الأول للإمام هو التغيير وإعادة الحكم الإسلامي إلى سيرة الرسول الأكرم(ص) والإمام علي(عليه السلام) ولعل سائل يسأل كيف يسعى لهذا الهدف وهو يعرف نتائج المعركة سلفاً كما أخبره بها جده رسول الله(ص)؟ ومن هذا الجواب نفسه تظهر لنا الأسباب الحقيقية للثورة فقيام الإمام الحسين(عليه السلام) في هذا الوقت هو التغيير سواء انتصر عسكيراص أم لم ينتصر فإن الثورة قد أعطت علامة للأمة بأن الوضع الشاذ الذي عاشته الأمة ردحاً من الزمن كانت أمراً استثنائياً حيث لم تتح الظروف التي كانت في زمن الإمام(عليه السلام) والإمام الحسن(عليه السلام) بالقيام حينها لمصلحة الأمة الحديثة العهد بالإسلام وللأدوار التي رسمها لهما رسول الله(ص).

وعندما وصل وضع التردي في الأمة إلى حالة لا يمكن السكوت عنها فإن الثورة أصبحت حتمية وإذا لم يقف الإمام(عليه السلام) بوجهها هذه المرة فإن الإسلام يضيع وتمحى معالمه ولا تبقى أي قدسية لخلافة الرسول(ص) لذا فصلت ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) بين نماذج الحكم الجديدة وبين الخلافة الحقة المتمثلة بأئمة أهل البيت(عليه السلام). وقد خابت محاولات الأمويين في إشاعتهم من أن عدم طاعة إمام الزمان هو خروج عن الدين قد انقلبت عليهم وفم الناس مغزى الحديث الشريف ومن هو الإمام المفروض الطاعة.

إذن فالثورة الحسينية كانت إحدى ضرورات هذه المرحلة ولو لم يقم الإمام الحسين(عليه السلام) بذلك لكان الدور للإمام زين العابدين(عليه السلام) ومن جاء من بعده من الأئمة المعصومين(عليه السلام).

التغيير

لقد حملت العقود السابقة لبيعة يزيد من الانحراف ما تشهد به تواريخ المسلمين من اغتصاب الخلافة من أصحابها الحقيقيين الذين نصّبهم رسول الله(ص) لقيادة الأمة ومنها حديث غدير خم الشهير بتنصيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) وكيف أن رسول الله(ص) والامام أمير المؤمنين(عليه السلام) قد سرحا بذلك مراراً وتكراراً كدرس للأمة في فهم حقائق الأمور التي سيؤول إليها وضع المسلمين من بعدهم صلوات الله عليهم.

ولما كانت وصايا الرسول(ص) في ضرورة الوحدة ومخافة تفقر المسلمين وارتدادهم هي التي منعت أمير المؤمنين من الانتصار لحقه، فإن اختلاف الحالة في زمن العهود الثلاثة التي سبقت ذلك ظلت مراقبة لعدة أسباب منها:

1) وجود أمير المؤمنين(عليه السلام) وعدم تمكن الخلفاء الثلاثة من الابتعاد عنه وعن توصياته(عليه السلام).

2) وجود الصحابة الذين كانوا ينشرون أحاديث رسول الله(ص) بين الناس بالقدر الذي أبقى القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في منى عن التحريف الذي حاول البعض دسه فيهما.

3) قرب عهد الخلفاء بالرسالة وعدم تمكنهم من تغيير المفاهيم التي أرساها رسول الله(ص) مرة واحدة لأنها انتشرت بين المسلمين.

وكان لزاماً على أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يحاول إعادة المسيرة إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله(ص) غير أن الظروف التي عصفت بعهده حالت دون إكمال المهمة فكان الدور قد تحول إلى الإمامين الحسن والحسين(عليه السلام) في عملية إكمالها الشاقة فكانت معركة الإمام الحسن(عليه السلام) مع معاوية هي الإشارة الأولى للإيذان ببدء هذه العملية التي لم يكن الإمام الحسين(عليه السلام) بعيداً عن أحداثها والتي كانت فيما بعد منهجاً له(عليه السلام) ودستوراً لمهمة التغيير والتي بدأت من المدينة حتى كربلاء.

إعادة صياغة الوعي الإسلامي

نشر الأمويون مبدأ قدسية الحاكم وإحكام مبدأ السيف بدل المقاييس الإسلامية التي كانت سائدة وكذلك أعادوا العصبية القبلية والقومية واتخذوها شعاراً للحكم في عهد معاوية وحتى في عهد عثمان من قبل مما ألغى الصفة الدينية للخليفة. ومن هنا فإن الثورة على هذا الواقع الفاسد هي إعادة تشكيل للقيم الدينية التي يقدسها المسلمون.

وقد أعلن الإمام الحسين(عليه السلام) هذه الأهداف منذ اليوم الأول من خروجه من المدينة فعند لقاءه(عليه السلام) بمروان وعند محاولة الأخير تحسين صورة أمر بيعة يزيد في عين الإمام (عليه السلام) أجابه (عليه السلام) قائلاً:على الإسلام السلام إذا بليت براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الخلافة محرمة على آل أبي سفيان فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه وقد رآه أهل المدينة على المنبر فلم يبقروا بطنه فابتلاهم الله بيزيد الفاسق(10).

فالهدف هو إعادة الإسلام إلى سابق عهده رغم معرفة الإمام القاطعة باستشهاده عن طريق الأخبار التي وردته عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) ففي رده (عليه السلام) عل أم سلمة عندما أخبرته بخبر القارورة ومحاولة منعه من الذهاب أجابها (عليه السلام):

يا أماه، إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً وإن لم أذهب غداً ذهبت بعد غد وما من الموت والله بد، وإني لأعرف اليوم الذي أقتل فيه والساعة التي أقتل فيها والحفرة التي أدفن فيها كما أعرفك وأنظر إليها كما أنظر إليك وإن أحببت يا أماه أن أريك مضجعي ومكان صحبي، فطلبت منه ذلك فأراها تربة أصحابه، إلى آخر الخبر(11).

وقد تواترت عدة أخبار ذكرتها المقاتل وكتب السير على أن الإمام كان قد أخبر بمقتله وأصحابه وسبي نساءه، ورب سائل يسأل إذا كان الإمام (عليه السلام) يعرف مصيره في هذه المعركة فلماذا أخذ أهله ونساءه؟ وقد تبين جواب ذلك بعد الثورة الحسينية وبعد أحداث الطف بأيام ولا زالت أصداءه تتناقلها الكتب إلى يومنا هذا فقد أثبت الإمام الحسين(عليه السلام) بأن القائمين على الحرب لا يطلبون سوى الحكم البعيد عن الإسلام وقيمه بل وحتى عن قيم العرب كما يذكر سبط بن الجوزي عن جده أنه كان يقول: (ليس العجب يقتل ابن زياد حسيناً وإنما العجب كل العجب أن يضرب يزيد بثناياه بالقضيب ويحمل نساءه سبايا على أعقاب الجمال)(12).

وكان هذا بحد ذاته أن يجعل المسلمين يعيون حساباتهم في إمرة يزيد وفي الخلافة كلها بهذا المعنى البعيد عن أي قيم إسلامية وكان هذا المغزى الرئيسي لاستصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) لعياله إلى كربلاء، وقد ساهمت هذه الأخلاقيات الأموية في تقويض شوكتهم وظلوا يحاولون استجداء التأييد لخوفهم من انقلاب الأمة عليهم وهو ما حدث بالفعل في الثورات والانتفاضات التي صفت جميع من شارك في جريمة قتل الإمام الحسين(عليه السلام).

تثبيت مبدأ الإمامة

بدات بوادر تشكيل وعي إسلامي معارض في كل أرجاء الدولة الإسلامية صاحب ذلطك توجه إلى نوع من التنظيم لهذا الإتجاه المعارض خصوصاً في المدينة والعراق بينما ظلت باقي أطراف الدولة تعيش حالة الهامشية في موقفها من الأحداث، فجاء الإمام الحسين(عليه السلام) ليعلن مبادئ نص عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر الأمة بخطجورة الانحراف أو التخلف عنها كما في حديث الثقلين المشهور، فكانت رسالة الإمام وعنوان دعوته توضيح ما أبهم على غفهام الأمة، ففي الطريق إلى كربلاء صلى بجماعة معه بوجود جيش الحر بن يزيد الرياحي الذي قاطع الإمام ومنعه من الوصول إلى كربلاء فخطب الامام(عليه السلام) بعد الصلاة قائلاً:

أيها الناس إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل بيت محمد(صلى الله عليه وآله) أولى بولاية هذا الأمر من المدعين ما ليس لهم، والسائرين بالجور والعدوان(13)، وقد ردد سلام الله عليه أهلية وأحقية أهل البيتi لهذا المنصب الإلهي في عدة مناسبات كما أنه انبأ ببقاء هذه الإمامة إلى عهد القائمr فعندما يخاطب أصحابه بقوله(عليه السلام): إني غداً أقتل وكلكم تقتلون معي، ولا يبقى منكم أحد حتى القاسم وعبد الله الرضيع إلا وليي علياً زين العابدين، لأن الله لم يقطع نسلي منه وهو أبو الأئمة الثمانية(14).

وهنا وضع الإمام(عليه السلام) النقاط على الحروف مجدداً فبعد التحديد الذي بينه رسول الله(صلى الله عليه وآله) بإمامتهموبعد استشهاد علي والامام الحسنوكذلك قرب استشهاده(عليه السلام) فإنه ينبئ باستمرار الإمامة من نسله وفي شخص الإمام زين العابدين وهو ما يعتمد عليه بعض العلماء في إثبات تحديد الأئمةi لأنه ورغم علم الأمويين بأن الإمام زين العابدين هو القائم بالأمر بعد أبيه لم يستطيعوا أن يقتلوه ولم يكن لهم ذلك ن الله ناصره ومعده للخلافة التي لا بد من استكمال سلسلتها الشريفة.

دروس من الثورة

أما الدروس المستفادة من ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) ووقفته البطولية يوم الطف فهي أكثر مما تحصى فقد أعطت من دروس الأخلاق والإباء والتضحية م يعجز الوصف عن إحصاء مفرداتها فأصبح الحسين(عليه السلام) رمزاً للثائرين في كل مكان من الأرض وفي كل الأديان والملل فها هي شخصية الإمام(عليه السلام) تلهب الثورة في قلب الثائر الهندي غاندي الذي يقول: تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر، ومن عجائب هذه الثورة المقدسة هو استمراريتها فبعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة لا تزال شعلتها تتقد في نفوس المؤمنين فأقيمت على منهجها دولاً وممالك نشرت الخير والإصلاح وأضحت مناراً للمستضعفين ولطلاب الحرية على مر العصور.

الخلاصة

ومما تقدم نستنتج أن أسس قيام الثورة والنتائج التي رسمتها وطبعتها على مسار التاريخ الإسلامي شكلت نهجاً إسلامياً متميزاً كالاستقلالية التي تمثلت بالفقه الإسلامي الذي يختص سنده بأئمة أهل البيتi عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) والذي استقل فيما بعد على شكل مذهب فقهي يعتقد به نصف المسلمين.

كما إن الثورة وضعت حداً فاصلاً بين ما هو اسلامي وبين المبادئ الدخيلة على هذا الدين القيم وأزاحت الستار عن حقبة تاريخية إسلامية كانت تعد مرجعاً إسلامياً، فعزت حالة الخلل والانحراف وفرزت السلبيات التي رافقت الدعوة الإسلامية منذ نشوءها.

كما إن الأثر الأكثر أهمية الذي رسخته النهضة الحسينية المقدسة هو استمرار الوعي الثوري الإسلامي الذي يرفض التطبيق الخاطئ للمبادئ السياسية الإسلامية التي اتخذت من الثورة الحسينية شعاراً لها إلى يومنا هذا.

(1) الإصابة: ج1 ص333.

(2) مع الحسين في نهضته (أسد حيدر) ص21.

(3) المصدر السابق: ص37.

(4) أنساب الأشراف، وتاريخ ابن عساكر: ج55.

(5) الخوارزمي: ج1 ص172.

(6) مع الحسين في نهضته: ص54.

(7) بحار الأنوار: ج43.

(8) المصدر نفسه.

(9) مقتل الخوارزمي: ج1 ص188.

(10) المصدر السابق: ص185.

(11) دار السلام: ج1 ص102.

(12) من وحي الثورة الحسينية: ص50 هاشم معروف الحسني.

(13) (14): نفس المهموم: ص122 وفي أسرار الشهادة.

 

عدد التعلیقات: 0

جمیع التعلیقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن راي إدارة الموقع

ارسل تعلیقك

: : :

Dynamically generated image  

النتيجة: 1.9 من 5 (7 تصويت)